أحمد بن محمد القسطلاني

469

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

عن أنس بن مالك ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) : ( ما من الناس مسلم يموت له ثلاثة لم ) ولغير أبي ذر ، وابن عساكر : ثلاثة من الولد لم ( يبلغوا الحنث ، إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم ) . استدلّ بتعليله عليه الصلاة والسلام ، دخول الآباء الجنة برحمته الأولاد ، وشفاعتهم في آبائهم ، على أولاد المسلمين في الجنة . وبه قطع الجمهور ، وشذت الجبرية ، فجعلوهم تحت المشيئة ، وهذه السنة تردّ عليهم ، وأجمع عليه من يعتدّ به . وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في زيادات السند ، عن عليّ ، مرفوعًا : إن المسلمين وأولادهم في الجنة ، وإن المشركين وأولادهم في النار . ثم قرأ { وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ } [ الطور : 21 ] الآية . وهذا أصح ما ورد في تفسير هذه الآية ، وبه جزم ابن عباس . ويستحيل أن يكون الله تعالى يغفر لآبائهم بفضل رحمته إياهم وهم غير مرحومين . وأما حديث عائشة ، رضي الله عنها ، عند مسلم : توفي صبي من الأنصار ، فقلت : طوبى له عصفور من عصافير الجنة ، لم يعمل السوء ، ولم يدركه . فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، أو غير ذلك يا عائشة ، إن الله تعالى خلق للجنة أهلاً خلقهم لها ، وهم في أصلاب آبائهم ، وخلق للنار أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم . فالجواب عنه من وجهين . أحدهما : أنه لعله نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير أن يكون عندها دليل قاطع على ذلك ، كما أنكر على سعد بن أبي وقاص في قوله : إني لأراه مؤمنا . فقال : أو مسلمًا . . . الحديث . الثاني : أنه ، عليه الصلاة والسلام ، لعله لم يكن حينئذٍ اطلع على أنهم في الجنة ، ثم أعلم بعد ذلك . ومحل الخلاف في غير أولاد الأنبياء ، أما أولاد الأنبياء ، فقال المازري : الإجماع متحقق على أنهم في الجنة . 1382 - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ سَمِعَ الْبَرَاءَ - رضي الله عنه - قَالَ : لَمَّا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « إِنَّ لَهُ مُرْضِعًا فِي الْجَنَّةِ » . [ الحديث 1382 - طرفاه في : 3255 ، 6195 ] . وبه قال : ( حدّثنا أبو الوليد ) هشام بن عبد الملك الطيالسي ، قال : ( حدّثنا شعبة ) بن الحجاج ( عن عدي بن ثابت ) الأنصاري الكوفي التابعي ، المشهور . وثقه أحمد ، والنسائي ، والعجلي ، والدارقطني إلا أنه كان يغلو في التشيع ، لكن احتج به الجماعة ، ولم يخرج له في الصحيح شيئًا مما يقوي بدعته ( أنه سمع البراء ) بن عازب ( رضي الله عنه ، قال ) : ( لما توفي إبراهيم ) ابن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( عليه السلام ، قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إن له مرضعًا في الجنة ) بضم الميم ، أي : من يتم رضاعه ، وعند الإسماعيلي مرضعًا ترضعه في الجنة . قال الخطابي : روي بفتح الميم مصدرًا ، أي : رضاعًا ، وتحذف الهاء من مرضع إذا كان من شأنها ذلك ، وتثبت إذا كان بمعنى تجدد فعلها . وفي مسند الفريابي : أن خديجة ، رضي الله عنها ، دخل عليها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، بعد موت القاسم ، وهي تبكي ، فقالت : يا رسول الله ، درت لبينة القاسم ، فلو كان عاش حتى يستكمل الرضاعة لهوّن عليّ ؟ فقال : إن له مرضعًا في الجنة يستكمل رضاعته ، فقالت : لو أعلم ذلك لهوّن علّي ، فقال : إن شئت أسمعتك صوته في الجنة . فقالت : بل أصدّق الله ورسوله . قال السهيلي : وهذا من فقهها ، رضي الله عنها ، كرهت أن تؤمن بهذا الأمر معاينة ، فلا يكون لها أجر الإيمان بالغيب ، نقله في المصابيح . 93 - باب مَا قِيلَ فِي أَوْلاَدِ الْمُشْرِكِينَ ( باب ما قيل في أولاد المشركين ) غير البالغين . 1383 - حَدَّثَنَا حِبَّانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهم - قَالَ : " سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَوْلاَدِ الْمُشْرِكِينَ ، فَقَالَ : اللَّهُ إِذْ خَلَقَهُمْ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ " . [ الحديث 1383 - طرفه في : 6597 ] . وبالسند قال : ( حدّثنا حبان ) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة ، ولأبي ذر : حدّثني ، بالإفراد ، حبان بن موسى المروزي ، قال : ( أخبرنا عبد الله ) بن المبارك قال : ( أخبرنا شعبة ) بن الحجاج ( عن أبي بشر ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة ، جعفر بن أبي وحشية ( عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، قال ) : ( سئل رسول الله ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، عن أولاد المشركين ) لم يعلم ابن حجر اسم السائل ، لكن يحتمل أن يكون عائشة ، لحديث أحمد وأبي داود ، عنها ، أنها قالت : قلت : يا رسول الله ذراري المسلمين . . . الحديث . وعند عبد الرزاق ، بسند ضعيف ، عنها أيضًا : أنها قالت : سألت خديجة النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن أولاد المشركين ، فقال : هم مع آبائهم . ثم سألته بعد ذلك الحديث . ( فقال ) : ( الله إذ خلقهم ) أي : حين خلقهم . قال في المصابيح : وإذ تتعلق بمحذوف ، أي : علم ذلك إذ خلقهم . والجملة معترضة بين المبتدأ والخبر ، ولا يصح تعلقها بأفعل التفضيل لتقدمها عليه ، وقد يقال بجوازه مع